أحمد بن علي القلقشندي

5

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قلاوون السلطنة ، فأحدث الشاش عليها فجاءت في نهاية من الحسن ، وصاروا يلبسونها فوق الذّوائب الشعر المرخاة على ما كان عليه الأمر أوّلا إلى أن حجّ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سلطنته الثالثة ( 1 ) ، فحلق رأسه وحلق الناس رؤوسهم ، واستداموا حلق رؤوسهم وتركت ذوائب الشعر إلى الآن . ويتعلق القول من ذلك بعشرة مقاصد . المقصد الأوّل في ذكر رسوم الملك وآلاته ؛ وهو أنواع كثيرة ، بعضها عامّ في الملوك أو أكثرهم ، وبعضها خاصّ بهذه المملكة منها : ( سرير الملك ) ويقال له تخت ( 2 ) الملك . وهو من الأمور العامة للملوك ، وقد تقدّم أن أوّل من اتخذ مرتبة للجلوس عليها في الإسلام معاوية رضي اللَّه عنه حين بدّن ( 3 ) ، ثم تنافس الخلفاء والملوك بعده في الإسلام في ذلك حتّى اتخذوا الأسرّة ، وكانت أسرّة خلفاء بني العبّاس ببغداد يبلغ علوّها نحو سبعة أذرع . وهو في هذه المملكة منبر من رخام بصدر إيوان السلطان الذي يجلس فيه ، وهو على هيئة منابر الجوامع إلا أنه مستند إلى الحائط ، وهذا المنبر يجلس عليه السلطان في يوم مهمّ كقدوم رسل عليه ونحو ذلك ؛ وفي سائر الأيام يجلس على كرسيّ من خشب مغشى بالحرير ، إذا أرخى رجليه كادتا أن تلحقا الأرض ، وفي داخل قصوره يجلس على كرسيّ صغير من حديد يحمل معه إلى حيث يجلس . ومنها : ( المقصورة ) للصلاة في الجامع . وقد تقدّم في الكلام على ترتيب الخلافة أن أوّل من اتخذها في الإسلام معاوية ، وقد صارت سنّة لملوك الإسلام بعد ذلك تمييزا للسلطان عن غيره من الرعية ، وهي في هذه المملكة

--> ( 1 ) سنة 709 ه في أول شوّال عاد إلى السلطنة للمرة الثالثة . ( 2 ) التخت في الفهلوية Taxt ومعناها العرش والسرير وكل ما ارتفع عن الأرض للجلوس أو النوم . ( تأصيل الدخيل : ص 51 ومقدمة ابن خلدون 461 ) . ( 3 ) فيها معنيان : بدن وأسنّ وضعف . ( الوسيط : 44 ) .